الشيخ محمد رشيد رضا

419

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

أشرف وأجدر من الزوج بالاحترام . ذلك أن الوالدين يكونان عند زواج الولد عريقين في الاستقلال بأنفسهما في المعيشة من جهة وأقل حاجة إلى المال من الأولاد وأزواجهم الذين أو اللواتي في سنهم غالبا لانصرام أكثر أعمارهما ولأنهما إذا احتاجا إلى مال الأولاد كان ذلك على مجموع أولادهما ، وأما الزوجان فإنهما يعيشان مجتمعين كل منهما متمم لوجود الآخر حتى كأنه نصف ماهيته ويكون ذلك بانفصال كل منهما عن والديه لاتصاله بالآخر . فبهذا كانت حقوق المعيشة بينهما آكد ولهذا تقرر في الشريعة أن يكون حق المرأة على الرجل في النفقة هو الحق الأول فإذا لم يجد الارغيقين وسد رمقه بأحدهما وجب عليه أن يجعل الثاني لامرأته لا لأحد أبويه ولا لغيرهما من أقاربه . فصلة الزوجية أشد وأقوى صلة حيوية اجتماعية حتى إن صلة البنوة فرع منها وان كان حق الأولاد أقوى من جهة أخرى كما تقدم . ثم قال تعالى مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ أي يوصيكم اللّه ويعهد إليكم أيها المؤمنون بأن لأولاد من يموت منكم كذا ولأبويه كذا من بعد وصية يُوصِي بِها أي يقع الايصاء بها من الميت . هكذا قرأ ابن عامر وابن كثير وأبو بكر عن عاصم « يُوصِي » بفتح الصاد مبنيا للمفعول مخففا وقرأه الباقون « يُوصِي » بكسر الصاد بالبناء للفاعل . ووصف الوصية بأنها يوصى بها لتأكيد أمرها والتحقق من نسبتها إلى الميت لان الحقوق يجب التثبت فيها . هذا ما تبادر إلى فهمي وقيل إن فائدة الوصف الترغيب في الوصية والندب إليها وقيل فائدته التعميم أَوْ دَيْنٍ أي ومن بعد دين يتركه عليه . وقدمت الوصية على الدين في الذكر لأنها شبيهة بالميراث شاقة على الورثة وان كان الدين مقدما عليها في الوفاء ، فهو أول ما يجب في التركة ويليه الوصية فهي مما فضل عن الدين وما بقي بعد أدائهما هو الذي يقسم على الوارثين . وعطف الدين على الوصية بأو دون الواو للايذان بأنهما متساويان في الوجوب متقدمان على القسمة مجموعين أو منفردين . آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً جاءت هذه الجملة بين بيان ما فرض اللّه للأولاد والوالدين من تركة الميت وما اشترط فيه من كونه فاضلا عن